أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
259
شرح مقامات الحريري
منى كنّ لي أنّ البياض خضاب * فيخفى بتبييض القرون شباب « 1 » ليالي عند البيض فوداي فتنة * وفخر وذاك الفخر عندي عاب فكيف أذمّ اليوم ما كنت أشتهي * وأدعو بما أشكوه حين أجاب كأنّ أبا الطيب نسي ما قاله في الشيب في الزمن الذي زعم أنه كان يشتهيه ويتمنّاه : [ البسيط ] أبعد بعدت بياضا لا بياض له * لأنت أسود في عيني من الظّلم « 2 » وقال ربعيّ : [ المنسرح ] من كان يبكي الشباب من أسف * فلست أبكي عليه من أسف كيف وشرخ الشباب أوقفني * يوم حسابي مواقف التّلف لا صحبت شرّة الشباب ولا * عدمت ما في المشيب من خلف وقال ابن رشيق : [ مخلع البسيط ] أراك للشيب ذا اكتئاب * فأين تمضي عن الصواب إن كنت ترعى الوفاء حقّا * فالشيب أوفى من الشّباب وحقيقة الأمر أنه ما زال الناس يكرهون الشيب ويذمّونه ، نثرا ونظما . لما فيه من دليل الفناء ، والهجنة عند النساء ، وقطع اللذات بالرّقبة والحياء ، ويحبون الشباب ويمدحونه ، لما فيه من عذرة الجاهل ، وإتيان العاجل ، وحسن الشمائل ؛ إلا أن لطف الحذاق من الشعراء في تحسين ما كانوا يكرهون ، وتقبيح ما كانوا يمدحون رياضة للنفوس ، وتوسعا في القول ، كما قال أحدهم : [ الطويل ] تفاريق شيب في العذار لوامع * وما حسن ليل ليس فيه نجوم ! وقالوا : في الشيب استحكام الوقار ، وتناهي الحلال ، وميسم التّجربة ، فهذه مقاصدهم فقف عليها . قوله : أفراحي : جمع فرح ، الراح : الخمر ، والثاني جمع راحة ، وهي الكفّ . معتقة : خمر قديمة شديدة الحمرة . أنار : بيّض . إصباحي : احمرار شعري ، والصبح : حمرة الشعر ، وضعه موضع السّواد ، لأنّ كليهما من حلية الشباب ، وحمله على هذا ما ضمن الشيب من التحسين فيقول مستفهما : هل يجوز شربي في البكور من خمر صافية في حال تغيير الكبر شبابي ، وتبديله حلية الشباب بحلية الشيوخ . خامرتني : خالطتني . إفصاحي : تبييني . السّلاف : الخمر . وأجلت : صرّفت . قداحي : سهام الميسر . أقداح :
--> ( 1 ) الأبيات في ديوان المتنبي 1 / 188 . ( 2 ) البيت في ديوان المتنبي 4 / 35 .